القاضي عبد الجبار الهمذاني
434
متشابه القرآن
ومن سورة النحل 397 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه خص بالهدى بعض المكلفين دون بعض ، فقال تعالى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ 9 ] . والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يقتضى أن عليه تعالى قصد السبيل ، ليكون مزيحا لعلة المكلف ومبينا له ما كلفه ، ليفصل بينه وبين الخارج عنه ، وأنه لو شاء لهدى الخلق أجمعين ، ولم يبين ما الذي أراده بالهدى ، وقد علمنا أنه لا يجوز أن يريد بالهدى الدلالة والبيان ؛ لأن ذلك ينقض صدر الآية ، ويدل على أنه لم يفعل ما عليه أن يفعله ، وما التزمه بالتكليف ، ويتعالى اللّه عن ذلك ، فإذا يجب أن يكون المراد به الثواب . وقد بينا من قبل : أن الأصل في الهدى هو الفوز والنجاة ، وأن الأدلة إنما توصف بذلك ، من حيث تفضى إليه ، فمتى حملناه على هذا الوجه لم يخرج عن الحقيقة ، فكأنه تعالى قال : علىّ بيان السبيل الحق الذي من سلكه فاز ، وفي السبيل ما هو جائر وباطل ، وخارج من الاستقامة ، ويفضى بصاحبه إلى الهلاك ؛ ولو شئت لأثبت الجميع ، لكن لا أفعله إلا بمن يستحقه ممن يسلك قصد السبيل . ثم يقال للقوم : لو كان تعالى هو الذي يخلق فيهم الهدى ، ويوجبه بالقصد والإرادة لم يكن لقوله : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ معنى ؛ لأنه إذا جعلهم كذلك فقد حصلوا مهتدين ، بين لهم ذلك أم لم يبين . فالآية إذا دالة على قولنا في العدل .